حين تكون السمات أكثر من مجرد “طبع”: فهم اضطرابات الشخصية بعمق إنساني
في حياتنا اليومية، نلتقي بأشخاص يصعب فهمهم أو التعامل معهم:
شخص ينسحب فجأة بلا سبب، وآخر يغضب بعنف لأتفه التفاصيل، وثالث يعيش ليُعجب به الآخرون.
نميل لتصنيفهم سريعاً: “نرجسي”، “حدّي”، “درامي”..
لكن خلف هذه التسميات هناك ما هو أعمق من مجرد “شخصية صعبة”.
ما المقصود باضطراب الشخصية؟
اضطراب الشخصية لا يعني أن الشخص “مريض نفسي” كما يُتداول أحياناً،
بل أنه يحمل نمط ثابت من التفكير والمشاعر والسلوك تشكل منذ المراحل المبكرة من حياته،
وبات يُسبب له أو لمن حوله معاناة مستمرة.
بمعنى آخر، هي الطريقة التي تعلم بها الإنسان أن يحمي نفسه، أن يحب، أن ينجو..
لكنها لم تعد تعمل لصالحه في الحاضر.
أنواع اضطرابات الشخصية
يقسم علم النفس الاضطرابات إلى ثلاث مجموعات رئيسية،
كل واحدة منها تعبر عن نمط مميز في التفاعل مع الذات والعالم:
المجموعة الأولى (A): الغريبة أو الانعزالية
أصحاب هذه المجموعة يعيشون في عالم داخلي مليء بالشك أو الانفصال عن الواقع.
البارانوية (Paranoid): يعيش في حالة حذر دائم، يرى في الآخرين تهديد مستتر.
الانطوائية (Schizoid): يميل للعزلة والبرود العاطفي، وكأن الحياة تمرر حوله لا من خلاله.
الانفصامية الشكل (Schizotypal): يعيش أفكار غريبة أو رمزية، يراها من حوله “غموض” لكنه يراها “معنى”.
المجموعة الثانية (B): الدرامية أو الانفعالية
هنا المشاعر أقوى من القدرة على تنظيمها.
الحدّية (Borderline): يتقلب بين الحب والكره، الأمان والخوف، كأن المشاعر تموج داخله بلا توقف.
النرجسية (Narcissistic): يبحث عن الإعجاب لتغطية هشاشة خفية في الداخل.
المعادية للمجتمع (Antisocial): لا يشعر بالذنب بسهولة، يضع رغباته فوق القوانين والحدود.
الدرامية (Histrionic): يعيش بالعاطفة المفرطة والظهور الدائم، كأن الحب لا يكتمل إلا حين يُرى.
المجموعة الثالثة (C): القلِقة أو المتجنبة
هؤلاء يعيشون داخل قلق مستمر.
التجنّبية (Avoidant): يخاف من الرفض فينسحب قبل أن يُرفَض.
الاعتمادية (Dependent): يخشى الوحدة، يبحث عن شخص يعتمد عليه ليشعر بالأمان.
الوسواسية القهرية (Obsessive–Compulsive Personality): يسعى للكمال حتى في مشاعره، يختنق من فكرة الخطأ
ما بين السمات والاضطراب
كثير من الناس يمتلك سمات من هذه الأنماط،
لكن وجودها لا يعني بالضرورة وجود اضطراب.
الفرق الجوهري هو في الثبات والضرر:
هل هذا النمط ثابت في كل المواقف؟
وهل يسبب معاناة مستمرة؟
إن كانت الإجابة نعم، هنا يبدأ الحديث عن اضطراب شخصية لا عن “أسلوب حياة”.
الجذور النفسية:
اضطرابات الشخصية غالباً ما تكون استجابة قديمة لألم مبكر.
الطفل الذي تعلم أن لا أحد يهتم، صار بالغ يثق بنفسه فقط.
والطفلة التي لم تجد احتواء، أصبحت امرأة تخاف الفقد وتتشبث بالعلاقات.
إنها قصص بُنيت كآليات نجاة، ثم تحولت لاحقاً إلى قيود.
طريق العلاج
العلاج النفسي لا “يُبدّل الشخصية”، بل يساعدها على أن تعود إلى مرونتها الأصلية.
من خلال جلسات العلاج التحليلي أو الجدلي السلوكي (DBT) أو العلاجات الحديثة مثل الـ Schema Therapy،
يتعلم الشخص كيف يراقب أنماطه، ويفصل بين “مَن كان” و“من يريد أن يكون”.
الهدف ليس أن نُصبح “شخصيات مثالية”،
بل أن نتحرر من الأنماط التي كانت ضرورة في الماضي، ولم تعد تناسب الحاضر.
في النهاية
اضطراب الشخصية ليس حكم،
بل دعوة للفهم.
كل نمط يحمل في جوهره محاولة للنجاة،
لكن الشفاء يبدأ عندما نتوقف عن النجاة فقط ونبدأ بالعيش بوعي.
• إذا شعرت أن أنماط التفكير أو المشاعر أو السلوك لديك تسبب لك أو لمن حولك معاناة مستمرة، فإن الخطوة الأولى نحو التعافي تبدأ بالوعي والعمل مع متخصص.
يمكنك حجز جلسة استشارية شخصية لتقييم أنماطك وفهم جذور ما تمر به، ووضع خطة عملية لمساعدتك على التحرر من القيود التي لم تعد تخدمك.
التعليقات
لا يوجد أي تعليقات لعرضها.
تسجيل الدخولمقالات أخرى

جرح الأب: أثره العميق على النفس والعلاقات
جرح الأب: أثره العميق على النفس والعلاقاتيُعد جرح الأب من أكثر الجروح النفسية تعقيداً وأقلها وعي، لأنه غالباً يتكون في مرحلة مبكرة من الحياة حين يكون الطفل بأمس الحاجة للأمان والتقدير.هذا الجرح لا يتع
25/10/2025
حين نصبح أبناء جروحنا الأولى: أثر جرح الأم وجرح الأب في أنماط علاقاتنا
في كل علاقة ندخلها، هناك ظل لعلاقةٍ أقدم.صدى بعيد لعناق لم يحدث، أو لكلمة لم تُقال في الوقت الذي كان يجب أن تُقال فيه.نظن أننا نحب من أمامنا، لكننا في العمق نحاول أن نُصلح ما انكسر منذ زمن بعيد.جرح ال
06/10/2025
كيف تعيش حياتك بأصالة؟
في كل مجتمع، هناك قوانين غير مكتوبة؛قوانين تخبرك كيف تتصرف، ماذا تقول، وأحياناً حتى كيف تُظهر نفسك.وبين هذه القوانين، نقف أمام خيارين صعبين:إما أن نخفي حقيقتنا فنعيش بانسجام ظاهري مع الآخرين،أو نكشفها
02/10/2025